أحمد بن محمد المقري التلمساني

18

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

وأدلج في الأسحار بيض قبابهم * فلحن نجوما في معارج كثبان « 1 » لك اللّه من ركب يرى الأرض خطوة * إذا زمّها بدنا نواعم أبدان أرحها مطايا قد تمشّى بها الهوى * تمشّي الحميّا في مفاصل نشوان « 2 » ويمّم بها الوادي المقدّس بالحمى * به الماء صدّا والكلا نبت سعدان « 3 » وأهد حلول الحجر منه تحيّة * تفاوح عرفا ذاكي الزّند والبان لقد نفحت من شيح يثرب نفحة * فهاجت مع الأسحار شوقي وأشجاني « 4 » وفتّت منها الشرق في الغرب مسكة * سحبت بها في أرض دارين أرداني « 5 » وأذكرني نجدا وطيب عراره * نسيم الصّبا من نحو طيبة حيّاني أحنّ إلى تلك المعاهد ، إنها * معاهد راحاتي وروحي وريحاني وأهفو مع الأشواق للوطن الذي * به صحّ لي أنسي الهنيّ وسلواني وأصبو إلى أعلام مكة شائقا * إذا لاح برق من شمام وثهلان أهيل الحمى ديني على الدهر زورة * أحثّ بها شوقا لكم عزمي الواني متى يشتفي جفني القريح بلحظة * تزجّ بها في نوركم عين إنساني ومن لي بأن يدنو لقاكم تعطّفا * ودهري عني دائما عطفه ثاني « 6 » سقى عهدهم بالخيف عهد تمدّه * سوافح دمع من شؤوني هتّان « 7 » وأنعم في شطّ العقيق أراكة * بأفيائها ظلّ المنى والهوى داني وحيّا ربوعا بين مروة والصّفا * تحيّة مشتاق بها الدهر حيران ربوعا بها تتلو الملائكة العلا * أفانين وحي بين ذكر وقرآن وأول أرض باكرت عرصاتها * وطرّزت البطحا سحائب إيمان

--> ( 1 ) فلحن : ظهرن . ( 2 ) الحميا : الخمر ، والنشوان : من أخذته نشوة السكر . ( 3 ) أخذ عجز هذا البيت من قولهم في المثل : « ماء ولا كصداء ، ومرعى ولا كالسعدان » . ( 4 ) الشيح : نبات طيب الرائحة قويها . ( 5 ) دارين : بلد اشتهر بالمسك . وإليه ينسب فيقال : مسك داري . ( 6 ) ثاني : اسم فاعل من ثنى يثني بمعنى يطوي . ( 7 ) الشؤون : جمع شأن ، وهو مجرى الدمع .